رجل سومرتون.. جثة مجهولة ورسالة “Tamam Shud” حيّرت العالم لأكثر من 70 عامًا

1

في تاريخ الجرائم الغامضة، هناك قضايا انتهت باعتراف.

وأخرى انتهت بدليل قاطع.

لكن توجد قضايا نادرة ظل فيها السؤال الأكبر بلا إجابة، رغم مرور عشرات السنين، وتغير الحكومات، وتطور الطب الشرعي، وظهور تقنيات لم يكن أحد يتخيلها وقت وقوع الحادثة.

قضية رجل سومرتون واحدة من تلك القضايا.

رجل أنيق يرتدي بدلة رسمية، يُعثر عليه ميتًا على شاطئ هادئ في أستراليا، دون أي آثار عنف، ودون أوراق تثبت هويته، بينما تبدو كل قطعة في ملابسه وكأنها أُزيلت منها العلامات التي قد تكشف من يكون.

لكن اللغز الحقيقي لم يبدأ مع الجثة…

بل بدأ عندما عثر المحققون على قصاصة ورق صغيرة مخبأة داخل جيب سري في سرواله، كُتبت عليها كلمتان فقط:

“Tamam Shud”.

ومنذ تلك اللحظة، تحولت القضية إلى واحدة من أشهر ألغاز القرن العشرين، وأصبحت مصدرًا لا ينتهي للنظريات، من التجسس الدولي، إلى الشفرات السرية، وحتى قصص الحب التي انتهت بالموت.


العثور على الجثة

في صباح 1 ديسمبر 1948، عثر أحد المارة على جثة رجل ملقاة على شاطئ سومرتون بالقرب من مدينة أديلايد في جنوب أستراليا.

في البداية، اعتقد البعض أنه نائم.

لكن عندما اقتربت الشرطة، اتضح أنه فارق الحياة.

كان مستلقيًا على ظهره في هدوء، وساقاه متقاطعتان، وإحدى يديه ممدودة بجانبه، بينما كانت الأخرى تستند إلى صدره.

ولم تكن هناك أي علامات تشير إلى أنه تعرض لعنف أو مقاومة قبل وفاته.


رجل بلا اسم

عندما بدأت الشرطة فحص الجثة، ظهرت أولى المفاجآت.

الرجل كان في الأربعينيات من عمره تقريبًا، حسن الهندام، ويرتدي بدلة أنيقة وربطة عنق، وحذاءً لامعًا.

لكن…

لم يكن يحمل أي بطاقة هوية.

ولا جواز سفر.

ولا محفظة.

ولا أي مستند يمكن أن يكشف اسمه.

والأغرب من ذلك، أن جميع بطاقات المصنع والعلامات الموجودة على ملابسه كانت مقصوصة بعناية.

وكأن شخصًا ما تعمد محو أي أثر يمكن أن يقود إلى هويته.


تشريح الجثة

لم يجد الأطباء سببًا واضحًا للوفاة.

لم تكن هناك طعنات.

ولا طلقات نارية.

ولا كسور.

لكن التشريح أظهر احتقانًا في بعض الأعضاء الداخلية، وهو ما جعل بعض الأطباء يرجحون احتمال تعرضه لتسمم.

غير أن الفحوصات المتاحة في ذلك الوقت لم تتمكن من إثبات وجود سم معين.

وبقي سبب الوفاة رسميًا غير محسوم.


قصاصة الورق التي غيرت كل شيء

بعد أشهر من العثور على الجثة، وأثناء إعادة فحص ملابس الرجل، اكتشف المحققون جيبًا صغيرًا مخيطًا داخل سرواله.

كان الجيب مخفيًا بطريقة يصعب ملاحظتها.

وبداخله كانت توجد قصاصة ورق صغيرة جدًا.

كُتب عليها:

Tamam Shud

وهي عبارة فارسية تعني تقريبًا:

“انتهى الأمر” أو “تمّ”.

وتبين لاحقًا أن القصاصة ممزقة من الصفحة الأخيرة لكتاب فارسي شهير يُدعى رباعيات عمر الخيام.

ومن هنا بدأ اللغز الحقيقي.


الكتاب الغامض

بعد نشر خبر قصاصة الورق في الصحف، تقدم أحد الأشخاص إلى الشرطة، وقال إنه وجد نسخة من كتاب رباعيات عمر الخيام داخل سيارته قبل فترة قصيرة من العثور على الجثة.

وعندما فحصت الشرطة الكتاب، اكتشفت أن الصفحة الأخيرة منه ممزقة بالفعل.

وكان مكان التمزق يتطابق مع قصاصة الورق التي عُثر عليها في جيب الرجل.

لكن هذا لم يكن الاكتشاف الوحيد.


رموز لم يفهمها أحد

داخل الغلاف الخلفي للكتاب، وجد المحققون مجموعة من الأحرف المكتوبة بخط اليد.

بدت وكأنها شيفرة أو رسالة مشفرة.

حاول خبراء التشفير في أستراليا، ثم جهات حكومية أخرى، فك هذه الرموز.

لكن لم ينجح أحد في تفسيرها بشكل مؤكد.

وحتى اليوم، لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الأحرف تحمل رسالة حقيقية، أم أنها مجرد ملاحظات عادية لا معنى خاصًا لها.


رقم هاتف يقود إلى امرأة

وجدت الشرطة أيضًا رقم هاتف داخل الكتاب.

كان الرقم يعود إلى ممرضة شابة تُدعى جيسيكا طومسون، وكانت تقيم على بعد مئات الأمتار فقط من المكان الذي عُثر فيه على الجثة.

عندما استجوبها المحققون، قالت إنها لا تعرف الرجل.

لكن بعض المحققين لاحظوا أنها بدت متوترة عند رؤية القناع الجبسي الذي صُنع لوجه المتوفى.

ورغم ذلك، لم تتمكن الشرطة من إثبات وجود علاقة مباشرة بينهما.

وبقي دورها في القضية محل نقاش لعقود طويلة.


هل كان جاسوسًا؟

مع بداية الحرب الباردة، ظهرت نظرية جذبت اهتمام العالم.

قال أصحابها إن الرجل ربما كان جاسوسًا.

وكانت هذه الفرضية تستند إلى عدة عناصر:

  • عدم وجود أي هوية.
  • إزالة جميع العلامات من الملابس.
  • الرسالة الغامضة.
  • الرموز غير المفهومة.
  • الوفاة التي يُحتمل أنها نتيجة سم يصعب اكتشافه.

لكن…

لم يظهر أي دليل رسمي يثبت أنه كان يعمل لصالح أي جهاز استخبارات.

ولهذا بقيت نظرية التجسس مجرد احتمال، لا أكثر.


نظريات أخرى

ظهرت تفسيرات عديدة خلال العقود التالية، من بينها:

الانتحار

استندت هذه الفرضية إلى عبارة Tamam Shud، التي تعني “انتهى الأمر”، واعتبرها البعض رسالة وداع.

لكن لم يُعثر على دليل يؤكد أن الرجل كان ينوي إنهاء حياته.

جريمة قتل

يرى آخرون أنه تعرض للتسميم على يد شخص آخر.

غير أن التحقيقات لم تكشف عن مشتبه به أو دافع واضح.

علاقة عاطفية

ربط بعض الباحثين بين الرجل والممرضة التي عُثر على رقمها داخل الكتاب.

لكن لم تثبت أي علاقة بينهما أمام التحقيقات.


التطورات الحديثة

لأكثر من سبعين عامًا، بقي رجل سومرتون مجهول الهوية.

لكن في السنوات الأخيرة، أعاد باحثون مستقلون وخبراء في علم الأنساب الوراثي دراسة القضية باستخدام تقنيات تحليل الحمض النووي.

وفي عام 2022، أعلن البروفيسور ديريك أبوت، الذي أمضى سنوات في دراسة القضية، أن نتائج تحليله تشير بقوة إلى أن الرجل يُرجح أن يكون كارل تشارلز ويب (Carl Charles Webb)، وهو مهندس كهربائي وُلد في ملبورن.

ورغم أن هذا الترجيح حظي باهتمام واسع، فإنه لم يصدر باعتباره إعلانًا رسميًا نهائيًا من جميع الجهات المختصة، كما أن سبب الوفاة ما زال غير محسوم حتى اليوم.


هل انتهى اللغز؟

إذا كانت هوية الرجل قد أصبحت أوضح مما كانت عليه قبل عقود…

فإن الأسئلة الأكبر ما زالت بلا إجابة.

كيف مات؟

ولماذا أزيلت جميع علامات ملابسه؟

ومن كتب الرموز الموجودة في الكتاب؟

وما المقصود بعبارة Tamam Shud؟

وهل كانت رسالة شخصية…

أم مفتاحًا للغز لم يُحل حتى الآن؟


النهاية… عندما يصبح الاسم أقل غموضًا من القصة

على مدى أكثر من سبعين عامًا، حاول المحققون والباحثون والكتّاب وهواة الألغاز حل قضية رجل سومرتون.

ربما أصبح لدينا اليوم تصور أقرب لهويته.

لكن الهوية وحدها لا تكفي.

فاللغز الحقيقي لم يكن يومًا: من هو هذا الرجل؟

بل كان:

ما الذي حدث له في تلك الليلة على شاطئ سومرتون؟

وربما لهذا السبب، ما زالت قصته تُروى حتى اليوم، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا غموضًا في التاريخ الحديث.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *